محمد طاهر الكردي

455

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

راكب راحلته ، منحن على الرحل حتى تكاد جبهته تمسه تواضعا وشكرا للّه على هذه النعمة الكبرى ، وأسامة بن زيد رديفه ، فلما وصل إلى موضع رايته بالحجون استراح قليلا في القبة التي نصبت له هناك ، وكان فيها أم سلمة وميمونة رضي اللّه تعالى عنهما ، ثم سار عليه الصلاة والسلام وبجانبه أبو بكر رضي اللّه عنه يحادثه وهو يقرأ سورة الفتح ، حتى بلغ البيت وطاف سبعا على راحلته ، واستلم الحجر الأسود بمحجنه ، ثم أقام صلى اللّه عليه وسلم بمكة خمسة عشر يوما وقيل : ثمانية عشر وقيل : تسعة عشر وهو يقصر الصلاة . وبعد ذلك خرج إلى غزوة حنين " بالتصغير " وتسمى غزوة هوازن ، وحنين واد وراء عرفات بين مكة والطائف . روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاووس : لم يدخل النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة . وروى مسلم من حديث جابر : دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام . نقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لو دخل مكة للنسك لدخلها محرما ، ولكنه يوم الفتح أتى إليها غازيا بجيشه مستعدا للقتال إذا اضطر إليه ، ودخول المقاتل الفاتح له حالة غير حالة الناسك المتعبد ، لذلك لم يكن يوم الفتح محرما ولم يكن صائما بمكة مدة إقامته بها حتى انسلخ شهر رمضان . وقصة فتح مكة شرفها اللّه تعالى شهيرة ، وهذا الفتح من أعظم فتوح الإسلام ، أعز اللّه به دينه ورسوله وجنده وحرمه ، فدخل الناس في دين اللّه أفواجا ، وإلى هذا الفتح تشير سورة النصر وهي : بسم اللّه الرحمن الرحيم إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً . وقد فهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من نزول هذه السورة أنه قد اقترب أجله ، فكان يكثر من قول : سبحان اللّه وبحمده أستغفر اللّه وأتوب إليه . وغزوة فتح مكة مذكورة في جميع كتب التفسير والحديث والتاريخ والسير ، ولقد أردنا أن نذكر خلاصتها ، لكن رأينا الإتيان بتفصيل غزوة الفتح أولى وأفضل لما فيها من العبر والفوائد الجمة . كما رأينا أن ننقل ما جاء عنها من كتاب " تاريخ الخميس " لأنه كتاب شهير معتمد ونادر الوجود ، ولأنه ينقل جميع الأقوال والمرويات بتفصيل تام . وإليك نص ما جاء فيه عن فتح مكة :